ابن رشد
188
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
لها ، وجب أن يكون هاهنا أفعال ليس تجري على مشيئة اللّه تعالى ولا اختياره ، فيكون هاهنا خالق غير اللّه . قالوا وقد أجمع المسلمون على أنه لا خالق إلا اللّه سبحانه . [ 293 ] وإن فرضناه أيضا غير مكتسب لأفعاله وجب أن يكون مجبورا عليها . فإنه لا وسط بين الجبر والاكتساب . وإذا كان الإنسان مجبورا على أفعاله فالتكليف هو من باب ما لا يطاق . وإذا كلف الإنسان ما لا يطيق لم يكن فرق بين تكليفه وتكليف الجماد ، لأن الجماد ليس له استطاعة . وكذلك الإنسان ليس له فيما لا يطيق استطاعة . ولهذا صار الجمهور إلى أن الاستطاعة شرط من شروط التكليف كالعقل سواء . [ 294 ] ولهذا نجد أبا المعالي قد قال في " النظامية " : إن للإنسان اكتسابا لأفعاله واستطاعة على الفعل . وبناه على امتناع تكليف ما لا يطاق لكن من غير الجهة التي منعته المعتزلة . وأما قدماء الأشعرية فجوزوا تكليف ما لا يطاق هربا من الأصل الذي من قبله نفته المعتزلة ، وهو كونه قبيحا في العقل . وخالفهم المتأخرون منهم . [ 295 ] وأيضا فإنه إذا لم يكن للإنسان اكتساب كان الأمر بالأهبة ( - بالاستعداد ) لما يتوقع من الشرور لا معنى له . وكذلك الأمر باجتلاب الخيرات . فتبطل أيضا الصنائع كلها التي المقصود منها أن تجتلب الخيرات ، كصناعة الفلاحة وغير ذلك من الصنائع التي يطلب بها المنافع . وكذلك تبطل جميع الصنائع التي يقصد بها الحفظ ودفع المضار كصناعة الحرب والملاحة والطب وغير ذلك . وهذا كله خارج عما يعقله الإنسان ( 64 / و ) . [ 296 ] فان قيل : فإذا كان الأمر هكذا فكيف يجمع بين هذا التعارض الذي يوجد في المسموع نفسه وفي المعقول نفسه ؟ [ 297 ] قلنا : الظاهر من مقصد الشرع ليس هو تفريق هذين الاعتقادين . وإنما قصده الجمع بينهما على التوسط الذي هو الحق في هذه المسألة . وذلك أنه يظهر أن اللّه تبارك وتعالى قد خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد . لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها اللّه لنا من خارج ، وزوال العوائق عنها ، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا .